فخر الدين الرازي
119
تفسير الرازي
الأمر كذلك كانوا أعداء للرسول صلى الله عليه وسلم وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم . والثاني : أن أمر التعلم لا يتأتى في جلسة واحدة ولا يتم في الخفية ، بل التعلم إنما يتم إذا اختلف المعلم إلى المتعلم أزمنة متطاولة ومدداً متباعدة ، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر فيما بين الخلق أن محمداً عليه السلام يتعلم العلوم من فلان وفلان . الثالث : أن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة وتعلمها لا يتأتى إلا إذا كان المعلم في غاية الفضل والتحقيق ، فلو حصل فيهم إنسان بلغ في التعليم والتحقيق إلى هذا الحد لكان مشاراً إليه بالأصابع في التحقيق والتدقيق في الدنيا ، فكيف يمكن تحصيل هذه العلوم العالية والمباحث النفيسة من عند فلان وفلان ؟ واعلم أن الطعن في نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمثال هذه الكلمات الركيكة يدل على أن الحجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة باهرة ، فإن الخصوم كانوا عاجزين عن الطعن فيها ، ولأجل غاية عجزهم عدلوا إلى هذه الكلمات الركيكة . المسألة الثانية : في هذه الآية دلالة قوية على أن الكذب من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش والدليل عليه أن كلمة " إنما " للحصر ، والمعنى : أن الكذب والفرية لا يقدم عليهما إلا من كان غير مؤمن بآيات الله تعالى ، وإلا من كان كافراً وهذا تهديد في النهاية . فإن قيل : قوله : * ( لا يؤمنون بآيات الله ) * فعل وقوله : * ( وأولئك هم الكاذبون ) * اسم وعطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية قبيح فما السبب في حصوله ههنا ؟ قلنا : الفعل قد يكون لازماً وقد يكون مفارقاً ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ) * ( يوسف : 35 ) ذكره بلفظ الفعل ، تنبيهاً على أن ذلك السجن لا يدوم . وقال فرعون لموسى عليه السلام : * ( لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين ) * ( الشعراء : 29 ) ذكره بصيغة الاسم تنبيهاً على الدوام ، وقال أصحابنا : إنه تعالى قال : * ( وعصى آدم ربه فغوى ) * ( طه : 121 ) ولا يجوز أن يقال إن آدم عاصٍ وغاوٍ ، لأن صيغة الفعل لا تفيد الدوام ، وصيغة الاسم تفيده . إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : قوله : * ( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ) * ذكر ذلك تنبيهاً على أن من أقدم على الكذب فكأنه دخل في الكفر ، ثم قال : * ( وأولئك هم الكاذبون ) * تنبيهاً على أن صفة الكذب فيهم ثابتة راسخة دائمة . وهذا كما تقول : كذبت وأنت كاذب فيكون قولك وأنت كاذب زيادة في الوصف بالكذب . ومعناه : أن عادتك أن تكون كاذباً . المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن الكاذب المفتري الذي لا يؤمن بآيات الله والأمر كذلك ، لأنه لا معنى للكفر إلا إنكار الإلهية ونبوة الأنبياء ، وهذا الإنكار مشتمل على